حيدر حب الله
90
حجية الحديث
والسؤال هنا : هل هذا تواتر ؟ وكيف يمكن فهم حقيقته وجوهره ؟ الظاهر أنّ مرجع فكرة التواتر العملي التي يطرحها بعض المعاصرين اليوم إلى فكرة السيرة العمليّة المتشرّعية ، بمعنى أنّ تلقّي الأجيال هذه الصلاة جيلًا بعد جيل ، كأنّه إخبارٌ من الجيل السابق للجيل اللاحق بأنّ هذه هي الصلاة التي أمر بها النبيّ مثلًا ، والجيل السابق عندما تلقّى هذه الصلاة من الجيل الذي قبله كأنّه أخبره بها الجيل الذي قبله ، وهكذا إلى عصر النصّ ، بحيث يُعلم يقيناً بأخذها من المعصوم . وهذا هو عينه بحث السيرة المتشرّعية في أصول الفقه الإمامي ، وإليه ترجع روح فكرة عمل أهل المدينة في أصول الفقه المالكي ، غاية الأمر أنّ السيرة اعتبرت بمثابة إخبار سلوكي عملي ، ولمّا كانت شديدةً راسخة واسعة معلومة الامتداد الزمكاني كانت حاسمةً وقطعيّة . ولا نريد أن نبحث هنا في حجيّة السيرة المتشرّعية ، فإذا ثبتت في محلّه وتمّت وتحقّقت شروطها وأركانها أمكن تحصيل اليقين ، سواء سمّيناها تواتراً عمليّاً أم لا . لكن على أيّة حال ، فالالتزام بفكرة التواتر العملي لا يستدعي في حدّ نفسه رفضَ فكرة التواتر غير العملي كما هو واضح . 3 - 5 - هل يمكن التمييز بين تواتر القول وتواتر الحوادث ؟ ما قلناه يجري أيضاً على صعيد التفصيل بين تواتر القول وتواتر الحدث ، فإنّه يمكن تبرير ذلك من خلال أنّ نسبة الحفظ والدقّة في التقاط القول أقلّ منها في التقاط الحدث ، ومعدّلات الخطأ تبقى أقلّ أيضاً ، لكنّ هذا لو صحّ على إطلاقه ، لا يعني إلغاء فكرة التواتر في النقل ، بل يفرض مزيداً من التريّث في تحصيل اليقين منه ، وإلا فلا يوجد عنصر واقعي منطقي فلسفي يمنع ذلك . وأمّا القول بأنّ التواتر في النقل عرضة لتغيّر التعابير ، فهذا غير منطقي على إطلاقه ؛ لأنّ المشاهد للحدث عندما ينقل في فضاء زمنه فهو متسق في التعابير مع السامع ،